محمد جواد مغنية

207

في ظلال نهج البلاغة

فيها على اللوم والعتاب أو التوبيخ ، وبعضها يوجب العقاب الخفيف ، وثالثة العقاب الوسط ، ورابعة العذاب الأكبر . وتقدمت الإشارة إلى الذنب الكبير والصغير في شرح الخطبة 174 فقرة « ألا وان الظلم ثلاثة » . وأفحش الخطايا على الاطلاق الشرك باللَّه ، والاعتداء على حريات الناس بكمّ الأفواه ، وتعذيب الأرواح والأجسام ، ونهب الثروات ، واغتصاب الأرض والمقدرات . . وما إلى ذلك من الجرائم التي يرتكبها الأقوياء ضد الضعفاء الذين لا قدرة لهم ، ولا حيلة ووسيلة . وهذا النوع من الذنوب لا يغفر إطلاقا ، وإن صلَّى المذنب الظالم وصام ، وحجّ إلى بيت اللَّه الحرام . وما عدا هذا النوع من الذنوب يقبل الغفران ، شريطة أن لا يكون فيه شائبة اعتداء على الآخرين ، وإن كانت مثقال ذرة . ومن الأمثلة التي تقبل التسامح والمغفرة سقطات اللسان مع عدم الإضرار بالآخرين ، وأكل الخبائث أو شربها بلا ضرورة ، وصناعة التماثيل والنظرة الآثمة والعصبية إذا لم يترتب عليها فساد ، بل وحلق اللحية والإسراف في الأموال على القول بالتحريم . وغير بعيد أن يكون المراد بالذنوب التي تحتها الصلاة وتطهر المصلي منها هذا النوع بالخصوص . . ومن الجائز أيضا أن يكون القصد من حت الذنوب أن الصلاة بطبيعتها تحث المصلي على التوبة التي تطهره من الذنوب . ويومئ إلى ذلك ويؤيده قوله تعالى : * ( « إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ ) * - 45 العنكبوت » أي تنهى المصلي عنهما بمجرد الدعوة والارشاد ، ولا تدفعه عنهما قسرا ، أو تخلق في نفسه النفور منهما قهرا . . لأن هذا لم يحدث بشهادة العيان . وليس من شك أن إهمال التوبة من المنكرات ، فيشمله نهي الصلاة عن المنكر . ( وقد عرف حقها رجال من المؤمنين إلخ ) . . الذين وجدوا حلاوة الإيمان باللَّه ، وبرد اليقين ، وجلال القرب منه ، وعقلوا أسرار الصلاة وأهدافها ، وان اللَّه سبحانه يكتب لهم من ثوابها على قدر محافظتهم عليها ، واهتمامهم بها ، وإذن فلا عجب إذا أعطوها عن طيب نفس كل همهم واهتمامهم ، وجعلوها شغلهم الشاغل حتى عن الولد والمال . ونحن نعرف الكثير من عظمة الصلاة عند اللَّه ، وانها عمود الدين وقربان كل تقى . . وأيضا نتحدث عن فضلها ونكتبه ونذيعه ، ولكن صلاتنا - ويا لسوء العمل - أشبه بحركة آلية أو تلقائية . . أبدا لا شيء فيها من الحضور والخشوع . .